عندما يُذكر HACCP، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن مباشرة: تحليل المخاطر، نقاط التحكم الحرجة، والمبادئ السبعة الشهيرة.
لكن قبل أن نتحدث عن المبادئ السبعة، هناك سؤال أكثر أهمية:
أين يوجد HACCP فعليًا داخل نظام سلامة الغذاء في المنشأة؟
هل الـHACCP في حد ذاته نظام متكامل لسلامة الغذاء؟ أم أنه منهجية للتحكم في المخاطر تعمل داخل منظومة أكبر؟
وإذا كان مصنع يطبق ISO 22000 وآخر يطبق FSSC 22000 أو BRCGS، فهل جميعهم يطبقون HACCP بالطريقة نفسها؟
وماذا عن GHPs وPRPs وOPRPs وCCPs؟
أين يقع كل منها؟ وكيف ترتبط ببعضها للوصول إلى غذاء آمن؟
هذه الأسئلة مهمة لأن اختزال HACCP في سبعة مبادئ وجدول لتحليل المخاطر وبعض نقاط التحكم الحرجة يجعلنا نفقد جزءًا كبيرًا من الصورة.
فالـHACCP في جوهره يقوم على منهجية علمية ومنظمة لاتخاذ قرارات تتعلق بسلامة الغذاء اثناء خطوات الانتاج الفعليه :
ما المخاطر المحتمل وجودها في كل خطوة ؟
أي منها يحتاج إلى التحكم؟
ما التدابير المناسبة للسيطرة عليها؟
أين وكيف تتم السيطرة؟
كيف نراقبها؟
وماذا نفعل عندما نفقد السيطرة؟
وكيف نتأكد أن ما صممناه يعمل بالفعل؟
لكن هذه المنهجية لا تعمل في فراغ.
فلا يمكن بناء HACCP فعّال في منشأة لا تسيطر أساسًا على النظافة، والمياه، والآفات، والصيانة، والتلوث التبادلي، ونظافة العاملين، والموردين وغيرها من الظروف والممارسات الأساسية.
كما أن التحكم في المخاطر وحده لا يمثل كل ما تحتاجه المنشأة لإدارة سلامة الغذاء؛ فهناك أيضًا المسؤوليات، والموارد، والتواصل، والتوثيق، والتقييم، والتحقق، والتحسين المستمر وغيرها من عناصر نظام الإدارة.
وهنا تبدأ الصورة الأكبر.
فالـHACCP الذي بدأ كمنهجية منهجية للتحكم في المخاطر أصبح اليوم جزءًا محوريًا في العديد من المعايير والمخططات والأنظمة المستخدمة لإدارة سلامة الغذاء، لكن الطريقة التي يتم بها دمجه مع بقية عناصر النظام ليست متطابقة دائمًا.
ولهذا، لن يكون هدف هذا المقال أن نعيد شرح المبادئ السبعة للـHACCP بالطريقة التقليدية.
سنبدأ من Codex لفهم الأساس الذي يقوم عليه HACCP، ثم نضعه داخل الصورة الأكبر لنرى كيف يرتبط بالبرامج التمهيدية، وكيف يظهر داخل ISO 22000 وFSSC 22000 وغيرها من أطر سلامة الغذاء، وما الذي يتغير عندما ننتقل من مجرد إعداد HACCP Plan إلى بناء Food Safety Management System متكامل.
وفي النهاية نريد الوصول إلى سؤال أكثر أهمية من:
«هل لدى المصنع خطة HACCP؟»
وهو:
هل يعمل HACCP فعليًا كجزء من نظام قادر على منع المخاطر والسيطرة عليها وحماية المستهلك؟
ما هو HACCP فعلًا؟
إذا أردنا فهم موقع HACCP داخل أنظمة سلامة الغذاء، فعلينا أولًا أن نحدد بدقة ما الذي نعنيه عندما نقول: نطبق HACCP.
HACCP – Hazard Analysis and Critical Control Point هو منهج علمي ومنهجي يهدف إلى تحديد وتقييم والسيطرة على المخاطر المهمة لسلامة الغذاء.
وهذه الجملة القصيرة تحمل فكرة أساسية:
HACCP لا يبدأ من التفتيش على المنتج النهائي، بل من فهم العملية نفسها والمخاطر التي يمكن أن تحدث خلالها، ثم بناء وسائل التحكم المناسبة لمنع هذه المخاطر أو إزالتها أو خفضها إلى مستوى مقبول.
ولهذا يُعد HACCP منهجًا وقائيًا Preventive في الأساس.
فبدلًا من تصنيع آلاف الوحدات ثم الاعتماد على أخذ عينة من المنتج النهائي والسؤال: هل المنتج آمن؟، يحاول HACCP الإجابة مسبقًا عن أسئلة مختلفة:
ما الذي يمكن أن يجعل هذا الغذاء غير آمن؟ وأين يمكن أن يحدث؟ وكيف يمكن السيطرة عليه قبل أن يصل المنتج إلى المستهلك؟
HACCP لا يعني البحث عن كل المخاطر بالطريقة نفسها
أحد المفاهيم المهمة هنا أن وجود Hazard لا يعني تلقائيًا إنشاء CCP.
قد توجد عشرات المخاطر المحتملة المرتبطة بالمواد الخام أو مراحل التصنيع أو بيئة الإنتاج، لكن وظيفة تحليل المخاطر هي تقييم هذه المخاطر وتحديد تلك التي يجب منعها أو إزالتها أو خفضها إلى مستوى مقبول، ثم تحديد Control Measures المناسبة لها.
وقد تتم السيطرة على بعض المخاطر من خلال الظروف والممارسات الصحية الأساسية، بينما تحتاج مخاطر أخرى إلى ضوابط أكثر تحديدًا داخل خطة HACCP.
وهنا نفهم لماذا لا ينبغي قياس قوة HACCP بعدد الـCCPs.
وجود مصنع لديه ست نقاط تحكم حرجة لا يعني أن نظامه أقوى من مصنع لديه نقطتان. السؤال الحقيقي هو:
هل تم تحديد المخاطر المهمة بصورة صحيحة؟ وهل تم اختيار وسائل التحكم المناسبة لها؟ وهل تعمل هذه الوسائل بالفعل؟
HACCP Plan أم HACCP System؟
وهنا يظهر فرق مهم في المصطلحات.
HACCP Plan هي الوثائق أو المعلومات المعدّة وفق مبادئ HACCP لضمان السيطرة على المخاطر المهمة في النطاق محل الدراسة.
لكن HACCP System أوسع من مجرد الخطة المكتوبة؛ فهو نتيجة تطوير خطة HACCP وتنفيذها والمحافظة عليها.
وهذا الفرق مهم جدًا في التطبيق.
قد تدخل مصنعًا وتجد Hazard Analysis ممتازًا، وCCPs محددة، وMonitoring Forms جاهزة، وCorrective Actions مكتوبة بعناية.
لكن السؤال:
هل هذا ما يحدث فعلًا على خط الإنتاج؟
إذا كانت المراقبة لا تتم كما خُطط لها، أو العامل لا يعرف ماذا يفعل عند حدوث Deviation، أو أجهزة القياس غير موثوق بها، أو أن الخطة لم تعد تعكس العملية الفعلية بعد تغيير المعدات أو المواد الخام، فإن وجود HACCP Plan لا يعني بالضرورة وجود HACCP System فعّال.
ولكن هل HACCP وحده يكفي؟
هنا نصل إلى النقطة التي تربط هذا الجزء بمقدمة المقال.
تخيل أننا حددنا Salmonella كخطر مهم، وحددنا المعالجة الحرارية كوسيلة للتحكم، ووضعنا حدودًا حرجة ونظامًا للمراقبة وإجراءات عند الانحراف.
هذا ممتاز.
لكن ماذا لو كانت المنشأة نفسها تعاني من سوء تصميم مناطق الإنتاج، أو عدم كفاءة التنظيف والتطهير، أو حركة أفراد غير منضبطة بين المناطق الخام والمطهوة، أو مكافحة آفات ضعيفة؟
يمكن أن نسيطر على الخطر في نقطة، ثم نعيد إدخاله إلى المنتج بعد ذلك.
ولهذا لا يعمل HACCP بكفاءة في فراغ.
إنه يحتاج إلى أساس قوي من Good Hygiene Practices (GHPs) / Prerequisite Programmes (PRPs) يوفر البيئة والظروف التشغيلية الأساسية اللازمة لإنتاج غذاء آمن.
وهذه العلاقة مهمة لدرجة أن Codex يضع تطبيق الممارسات الصحية الجيدة كأساس قبل تطبيق HACCP، بل إن بعض ممارسات GHP قد تحتاج إلى اهتمام أكبر عندما يكون تأثيرها على سلامة الغذاء أكثر أهمية.
إذن أين يقع HACCP داخل الصورة الأكبر؟
يمكن تبسيط الصورة مبدئيًا هكذا:
GHPs / PRPs
⬇
توفر البيئة والظروف الأساسية للإنتاج الآمن
HACCP
⬇
يحلل المخاطر المهمة داخل خطوات الانتاج ويحدد كيف تتم السيطرة عليها
Food Safety Management System
⬇
يضع هذه الضوابط داخل نظام أكبر يشمل المسؤوليات والموارد والتواصل والتوثيق والتقييم والتحقق والتحسين
وهنا يظهر فرق جوهري:
HACCP يركز أساسًا على السيطرة على مخاطر سلامة الغذاء، بينما نظام إدارة سلامة الغذاء ينظم كيف تدير المؤسسة سلامة الغذاء ككل.
ولهذا فإن السؤال:
«هل تطبق HACCP؟»
لا يعطينا وحده صورة كاملة عن مستوى إدارة سلامة الغذاء داخل المنشأة.
نحتاج أيضًا أن نسأل:
ما الأساس الذي يعمل عليه HACCP؟ وكيف تتم إدارته؟ وكيف يتم التحقق منه وتحديثه وتحسينه؟
ومن هنا نستطيع الانتقال إلى السؤال التالي:
إذا كان HACCP بهذه الأهمية، فمن أين جاءت هذه المنهجية أصلًا، وكيف تحولت من فكرة للتحكم في مخاطر الغذاء إلى أساس تعتمد عليه أهم أنظمة سلامة الغذاء في العالم؟
من أين بدأ HACCP؟ من فحص المنتج إلى الوقاية من الخطر
لفهم أهمية HACCP، من المفيد أن نعود إلى المشكلة التي حاولت هذه المنهجية حلها منذ البداية.
لفترة طويلة، اعتمدت صناعة الغذاء بدرجة كبيرة على فحص المنتج النهائي End-product testing للتأكد من سلامته وجودته.
الفكرة تبدو منطقية: نصنع المنتج، نأخذ عينات، نجري الاختبارات، وإذا كانت النتائج مطابقة نسمح بالإفراج عنه.
لكن عندما يتعلق الأمر بسلامة الغذاء، تظهر مشكلة جوهرية:
هل يمكن لعينة محدودة أن تثبت أن كل المنتج آمن؟
تخيل دفعة إنتاج تحتوي على عشرات الآلاف من الوحدات، بينما يتم فحص عدد محدود منها فقط.
حتى إذا جاءت جميع العينات سليمة، فهذا لا يعني بالضرورة أن الخطر غير موجود في وحدة أخرى لم تدخل ضمن العينة.
وتزداد المشكلة مع المخاطر التي قد لا تتوزع بصورة متجانسة داخل المنتج.
وهنا بدأ التحول في طريقة التفكير:
بدلًا من أن يكون السؤال فقط:
هل المنتج النهائي آمن؟
أصبح السؤال:
ما الذي يمكن أن يجعله غير آمن أثناء تصنيعه، وكيف نمنع حدوث ذلك أو نسيطر عليه قبل وصول المنتج إلى المستهلك؟
وهذه الفلسفة هي جوهر HACCP.
من برنامج الفضاء إلى صناعة الغذاء
ترتبط الجذور التاريخية للـHACCP ببرامج الفضاء الأمريكية في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات.
كانت هناك مشكلة استثنائية: الغذاء المخصص لرواد الفضاء يجب أن يتمتع بدرجة عالية جدًا من السلامة، لأن حدوث مرض منقول بالغذاء خلال مهمة فضائية قد تكون له عواقب خطيرة.
عملت The Pillsbury Company مع NASA وU.S. Army Natick Laboratories على تطوير أسلوب أكثر وقائية لضمان سلامة الأغذية المخصصة للبرنامج الفضائي.
لكن الاعتماد على اختبار المنتج النهائي وحده كان يواجه معضلة واضحة:
إذا أردت الحصول على درجة مرتفعة جدًا من الثقة في سلامة الغذاء عن طريق الاختبار فقط، فقد تحتاج إلى فحص كمية كبيرة من المنتج، وربما استهلاك جزء كبير منه في الاختبارات نفسها.
كان المطلوب إذن طريقة مختلفة للتفكير في سلامة الغذاء.
لا تنتظر الخطر في المنتج النهائي… ابحث عن مكان حدوثه داخل العملية.
تأثرت المنهجية بمفاهيم هندسية ووقائية مستخدمة في الصناعات عالية الاعتمادية، ومن بينها التفكير في نقاط الفشل المحتملة داخل العملية قبل أن تتحول إلى مشكلة في المنتج النهائي.
ومن هنا بدأت تتشكل العناصر التي ستصبح لاحقًا أساس HACCP:
تحديد المخاطر → تحديد الأماكن المهمة للتحكم → مراقبة عملية التحكم → اتخاذ إجراء عند فقد السيطرة.
وهنا حدث تحول مهم جدًا في فلسفة سلامة الغذاء:
من اكتشاف المشكلة بعد حدوثها إلى تصميم العملية لمنعها أو السيطرة عليها أثناء حدوثها.
1971: ظهور HACCP أمام صناعة الغذاء
في عام 1971، قدمت Pillsbury مفهوم HACCP بصورة علنية خلال National Conference on Food Protection في الولايات المتحدة.
وكان الشكل المبكر للمنهجية أبسط من الصورة التي نعرفها اليوم، ولم تكن المبادئ السبعة الحالية قد استقرت بعد بصورتها المعروفة.
لكن الفكرة الأساسية كانت قد أصبحت واضحة:
سلامة الغذاء يجب أن تُبنى داخل العملية نفسها، وليس أن يتم البحث عنها فقط في المنتج النهائي.
وخلال السنوات التالية، بدأ الاهتمام بالمنهج يتوسع، خصوصًا مع الحاجة إلى وسائل أكثر منهجية للتحكم في المخاطر الميكروبيولوجية وغيرها من مخاطر سلامة الغذاء.
1985: دفعة علمية كبيرة للـHACCP
حدثت محطة مهمة في 1985 عندما أوصت U.S. National Academy of Sciences (NAS) باستخدام منهج HACCP على نطاق أوسع لضمان سلامة الأغذية.
كانت أهمية هذه الخطوة أنها ساعدت في نقل HACCP من منهجية مرتبطة بتطبيقات محددة إلى مفهوم يحظى باعتراف علمي أوسع كوسيلة وقائية لإدارة مخاطر سلامة الغذاء.
لكن HACCP كان لا يزال بحاجة إلى شيء آخر:
لغة ومنهج موحد يمكن تطبيقهما بصورة متسقة.
وهنا ظهر دور NACMCF – National Advisory Committee on Microbiological Criteria for Foods في الولايات المتحدة، والذي ساهم خلال أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات في تطوير وتعريف مبادئ HACCP بصورة أكثر تنظيمًا.
ومع تطور المنهج، استقرت الصورة التي نعرفها اليوم حول سبعة مبادئ أساسية.
ثم جاءت النقلة العالمية: Codex Alimentarius
المحطة الأهم بالنسبة لفهم HACCP داخل أنظمة سلامة الغذاء الحديثة جاءت عندما تم دمج المنهج ضمن أعمال Codex Alimentarius Commission.
وفي 1993، تبنت Codex إرشادات لتطبيق نظام HACCP، ثم استمر تطوير النص عبر المراجعات اللاحقة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأن HACCP لم يعد مجرد أسلوب طورته شركة أو منهجًا تستخدمه جهة أو دولة بعينها، بل أصبح جزءًا من مرجعية دولية لسلامة الغذاء.
ومع مرور الوقت، أصبح HACCP أساسًا تعتمد عليه أو تستند إليه مجموعة واسعة من التشريعات والمعايير وبرامج الاعتماد وأنظمة سلامة الغذاء حول العالم.
لكن Codex لم يضع HACCP بمعزل عن الممارسات الصحية الأساسية.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم النقاط لفهم المقال بالكامل.
HACCP لم يكن المقصود أن يعمل وحده
في General Principles of Food Hygiene، يرتبط HACCP بالممارسات الصحية الأساسية اللازمة لتوفير الظروف المناسبة لإنتاج غذاء آمن.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الذي بدأنا به المقال:
إذا كان HACCP منهجًا قويًا للسيطرة على المخاطر، فما الذي يجب أن يكون موجودًا في المنشأة قبل أن نبدأ تطبيقه؟
وهل كل ما يؤثر في سلامة الغذاء يجب أن يدخل داخل خطة HACCP ويصبح CCP؟
الإجابة تقودنا مباشرة إلى GHPs – Good Hygiene Practices.
وهنا تبدأ مرحلة مهمة جدًا في فهم HACCP الحديث؛ لأن العلاقة بين GHPs وHACCP تساعدنا على فهم لماذا لا يمكن اختزال نظام سلامة الغذاء في مجموعة من الـCCPs.
من الفحص إلى الوقاية
يمكن تلخيص التطور الذي قاد إلى HACCP في تحول واحد:
End-product Inspection & Testing
↓
Process Understanding
↓
Hazard Identification
↓
Preventive Control
↓
Monitoring & Corrective Action
↓
Verification & Continuous Review
لم يعد السؤال:
«هل وجدنا منتجًا غير آمن؟»
بل أصبح:
«هل صممنا العملية بحيث نمنع الخطر أو نسيطر عليه قبل أن يصل إلى المستهلك؟»
وهذه الفلسفة هي التي جعلت HACCP يتجاوز كونه أداة فنية، ليصبح لاحقًا أحد أهم الأسس التي بُنيت عليها أنظمة سلامة الغذاء الحديثة.
GHPs وPRPs: الأساس الذي يقف عليه HACCP
لا يبدأ HACCP من الـCCPs، بل يبدأ قبل ذلك بكثير.
قبل أن تحاول المنشأة تحديد نقاط التحكم الحرجة، يجب أن تكون لديها بيئة تشغيل مناسبة لإنتاج غذاء آمن. وهنا يأتي دور Good Hygiene Practices (GHPs) وما يُعرف في العديد من أنظمة سلامة الغذاء بـ Prerequisite Programmes (PRPs).
تشمل هذه الممارسات والبرامج عناصر أساسية مثل النظافة والتطهير، النظافة الشخصية، مكافحة الآفات، التحكم في المياه، الصيانة، منع التلوث التبادلي، إدارة المخلفات، وضوابط المواد الخام والموردين.
والفكرة بسيطة:
إذا كانت الظروف الأساسية داخل المصنع غير منضبطة، فلن تستطيع خطة HACCP وحدها تعويض هذا الضعف.
فمثلًا، قد تكون المعالجة الحرارية CCP فعالة في القضاء على خطر ميكروبيولوجي، لكن سوء الفصل بين المنتج الخام والمطهو قد يؤدي إلى إعادة تلوث المنتج بعد المعالجة.
وهنا يظهر التكامل بين الاثنين:
GHPs / PRPs تبني البيئة الأساسية التي تسمح بإنتاج غذاء آمن، بينما يستخدم HACCP تحليل المخاطر لتحديد المخاطر المهمة التي تحتاج إلى تحكم محدد وكيفية السيطرة عليها.
لكن العلاقة ليست دائمًا مجرد تقسيم بسيط بين PRPs في جانب وCCPs في الجانب الآخر. فمع تطور أنظمة سلامة الغذاء، ظهرت طرق مختلفة لتنظيم وتصنيف تدابير التحكم؛ وأحد أوضح الأمثلة على ذلك هو ISO 22000 وتمييزه بين PRPs وOPRPs وCCPs.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم:
نفس فلسفة HACCP قد تظهر بصورة مختلفة حسب نظام سلامة الغذاء الذي تعمل من خلاله.
وهذا هو ما سنراه في الأجزاء التالية عند الانتقال من Codex إلى ISO 22000 وFSSC 22000 وغيرها من الأنظمة.
كيف يعمل HACCP؟ من تحليل المخاطر إلى السيطرة عليها
يبدأ التطبيق الفعلي للـHACCP قبل تحليل المخاطر نفسه. فلا يمكن تحليل عملية لا نفهمها جيدًا.
لذلك يبدأ العمل بتكوين فريق HACCP، وتحديد المنتج واستخدامه المتوقع، ثم بناء Flow Diagram يمثل خطوات العملية الفعلية والتحقق منه داخل موقع الإنتاج.
بعد ذلك يبدأ السؤال الأهم:
ما الذي يمكن أن يحدث في كل خطوة ويؤثر في سلامة الغذاء؟
وهنا يتم تحديد المخاطر البيولوجية والكيميائية والفيزيائية وغيرها من المخاطر ذات الصلة، ثم تقييمها لتحديد المخاطر التي تحتاج إلى التحكم، واختيار Control Measures المناسبة لها.
ومن هنا تعمل مبادئ HACCP السبعة كسلسلة مترابطة:
Hazard Analysis
↓
Determine CCPs
↓
Establish Critical Limits
↓
Monitoring
↓
Corrective Actions
↓
Verification
↓
Documentation & Records
لكن المهم ليس حفظ هذه الخطوات، وإنما فهم المنطق الذي يربط بينها.
فإذا حددت خطرًا مهمًا دون وسيلة تحكم مناسبة، فالنظام ناقص. وإذا حددت CCP دون Critical Limit واضح، فلن تستطيع تحديد متى فقدت السيطرة. وإذا كان لديك Critical Limit دون Monitoring قادر على اكتشاف الانحراف في الوقت المناسب، فلن تستطيع اتخاذ الإجراء المناسب. وإذا كانت لديك مراقبة ممتازة دون Verification، فلن تعرف ما إذا كان النظام الذي صممته يعمل بالفعل كما خططت له.
ولهذا فإن HACCP ليس مجموعة جداول منفصلة.
إنه سلسلة من القرارات، وكل قرار يعتمد على صحة القرار الذي سبقه.
والأهم أن هذه السلسلة لا تظهر بالشكل نفسه تمامًا داخل كل نظام لسلامة الغذاء.
فمثلًا، عند الانتقال إلى ISO 22000 لن نجد فقط PRPs وCCPs، بل سنجد أيضًا OPRPs وHazard Control Plan ومنهجًا محددًا لتصنيف وإدارة تدابير التحكم.
وهنا نصل إلى الجزء الأهم في المقال كله:
أين يوجد HACCP داخل أنظمة سلامة الغذاء الحديثة؟
حتى الآن تحدثنا عن HACCP باعتباره منهجًا لتحليل مخاطر سلامة الغذاء والسيطرة عليها.
لكن عند الانتقال إلى التطبيق داخل المنشآت، قد تبدو الصورة مختلفة من نظام إلى آخر.
فقد تعمل في منشأة تتبع Codex، وأخرى تطبق ISO 22000، وثالثة حاصلة على شهادة FSSC 22000 أو BRCGS Food Safety.
جميعها تعتمد على مبادئ HACCP، لكن طريقة وضع هذه المبادئ داخل النظام الأوسع وإدارة تدابير التحكم ليست متطابقة تمامًا.
وهنا تحديدًا يظهر سبب الكثير من الخلط بين المصطلحات.
HACCP في Codex: نقطة البداية
في Codex General Principles of Food Hygiene، تأتي الممارسات الصحية الجيدة GHPs كأساس ضروري للتحكم في العديد من مخاطر سلامة الغذاء.
وعندما توجد مخاطر مهمة لا تتم السيطرة عليها بصورة كافية من خلال GHPs، يتم التعامل معها من خلال HACCP Plan وتطبيق مبادئ HACCP.
وبالتالي يمكن تصور الفكرة بشكل مبسط:
GHPs → Hazard Analysis → Significant Hazards → CCPs → HACCP Plan
لكن عندما ننتقل إلى ISO 22000، تصبح طريقة تنظيم تدابير التحكم أكثر تفصيلًا.
ماذا تغير في ISO 22000؟
ISO 22000 لا يلغي HACCP، بل يدمج مبادئه داخل Food Safety Management System أوسع.
فبعد إجراء Hazard Analysis وتحديد المخاطر المهمة، تقوم المنظمة باختيار تدابير التحكم المناسبة وتصنيفها لإدارتها كـ:
OPRPs – Operational Prerequisite Programmes
أو
CCPs – Critical Control Points
وهذا فرق مهم.
لأن السؤال لم يعد فقط:
هل هذه الخطوة CCP أم ليست CCP؟
بل أصبح:
ما الخطر المهم الذي نريد السيطرة عليه؟ ما Control Measure المناسبة؟ وكيف يجب إدارة هذه الوسيلة طبقًا لطبيعتها ودورها في السيطرة على الخطر؟
ويتم جمع الـOPRPs والـCCPs في ISO 22000 ضمن Hazard Control Plan.
وهنا يمكن أن نرى الصورة بصورة أوضح:
PRPs
توفر البيئة والظروف الأساسية اللازمة للإنتاج الآمن.
↓
Hazard Analysis
يحدد المخاطر ويقيّم أهميتها.
↓
Control Measures
يحدد كيف ستتم السيطرة على المخاطر المهمة.
↓
OPRPs / CCPs
تنظم تدابير التحكم التي تم اختيارها وفقًا لمنهج ISO 22000.
↓
Hazard Control Plan
يجمع كيفية إدارة ومراقبة هذه الضوابط.
وهذا يفسر لماذا قد تسمع داخل مصنع يطبق ISO 22000 مصطلحات مثل OPRP وAction Criterion وHazard Control Plan، بينما قد تجد طريقة مختلفة في عرض نفس فلسفة التحكم داخل مرجعية أخرى.
وماذا عن FSSC 22000؟
هنا توجد نقطة مهمة جدًا:
FSSC 22000 ليس HACCP مختلفًا.
فالـFSSC 22000 يبني متطلبات نظام سلامة الغذاء على ISO 22000، وبالتالي تظل منهجية تحليل المخاطر وتصنيف تدابير التحكم إلى OPRPs وCCPs مرتبطة بمتطلبات ISO 22000.
لكن FSSC يضيف إلى ذلك متطلبات أخرى للمخطط ومتطلبات للبرامج التمهيدية المناسبة للقطاع ومتطلبات إضافية، ليصبح لدينا إطار أوسع للحصول على شهادة معترف بها ضمن المخطط.
وبالتالي لا نبدأ Hazard Analysis جديدًا اسمه "FSSC HACCP"، وإنما يعمل HACCP داخل بنية نظام أوسع.
وماذا عن BRCGS وIFS؟
تستخدم مخططات أخرى مثل BRCGS Food Safety وIFS Food مبادئ HACCP أيضًا، ولكن طريقة بناء المتطلبات والمصطلحات والتوثيق ليست نسخة مطابقة من ISO 22000.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية لأي متخصص في سلامة الغذاء:
لا تحفظ شكل جدول HACCP من نظام ثم تفترض أنه الشكل الوحيد الصحيح في جميع الأنظمة.
فالمرجعية قد تؤثر في المصطلحات، وتصنيف الضوابط، وطريقة التوثيق وإدارة الخطة.
لكن الفلسفة الأساسية لا تتغير:
تحديد المخاطر → تقييمها → تحديد ما يحتاج إلى التحكم → اختيار تدابير التحكم المناسبة → مراقبة السيطرة → التعامل مع فقد السيطرة → التحقق من أن النظام يعمل.
إذن… هل توجد أنواع مختلفة من HACCP؟
ليس بالمعنى الذي قد يبدو للوهلة الأولى.
نحن لا نتحدث عن HACCP خاص بـISO وآخر خاص بـFSSC وثالث خاص بـBRCGS.
نحن نتحدث عن مبادئ مشتركة للتحكم الوقائي في مخاطر سلامة الغذاء، يتم دمجها وتنظيمها داخل أطر مختلفة.
وهذا يفسر لماذا قد تنتقل من مصنع إلى آخر فتجد اختلافًا في بعض المصطلحات أو النماذج أو طريقة تصنيف Control Measures، رغم أن التفكير الأساسي في المخاطر والسيطرة عليها ما زال قائمًا على نفس الفلسفة.
وهنا تظهر الصورة الكاملة
HACCP ليس كل نظام سلامة الغذاء.
وفي الوقت نفسه، هو ليس مجرد جدول لتحليل المخاطر أو مجموعة CCPs.
إنه المنهج الوقائي الذي يربط المخاطر بوسائل السيطرة عليها، ثم تأتي منظومة إدارة سلامة الغذاء الأوسع لتضمن أن هذه الضوابط لديها أشخاص مسؤولون عنها، وموارد، وتواصل، وتوثيق، ومراجعة، وتحقيق، وتحسين مستمر.
ولهذا عندما نقول إن منشأة ما "تطبق HACCP"، فالسؤال الأكثر نضجًا ليس:
كم CCP لديها؟
بل:
كيف حددت مخاطرها؟ وكيف اختارت وسائل السيطرة عليها؟ وكيف تعرف أن هذه الوسائل تعمل فعلًا؟
من HACCP على الورق إلى نظام يعمل فعليًا
قد تمتلك المنشأة HACCP Plan مكتملة، وHazard Analysis مفصلًا، وCCPs محددة، وسجلات Monitoring يتم استكمالها يوميًا.
لكن كل ذلك لا يجيب وحده عن السؤال الأهم:
هل HACCP يعمل فعليًا؟
قوة HACCP لا تظهر في عدد الصفحات أو الـCCPs الموجودة داخل الخطة، وإنما في قدرة النظام على منع مخاطر سلامة الغذاء أو السيطرة عليها باستمرار أثناء التشغيل الفعلي.
وهنا تظهر مجموعة من المؤشرات التي تفرق بين خطة موجودة على الورق ونظام يعمل بالفعل.
فمثلًا، تحديد عدد كبير من الـCCPs لا يعني بالضرورة وجود نظام أكثر قوة. قد يكون العكس صحيحًا إذا كانت بعض هذه النقاط لا تحتاج أصلًا إلى إدارتها كـCCPs.
كذلك، إجراء الـMonitoring وتسجيل النتائج لا يكفي إذا لم تكن المراقبة قادرة على اكتشاف فقد السيطرة في الوقت المناسب، أو إذا كان المسؤول عن المراقبة لا يعرف ماذا يفعل عندما يحدث Deviation.
والأمر نفسه ينطبق على Verification.
فالهدف ليس مجرد مراجعة السجلات والتوقيع عليها، وإنما الحصول على دليل بأن الضوابط والنظام يتم تطبيقهما كما خُطط لهما ويعملان بالصورة المطلوبة.
وهنا يجب أيضًا التمييز بين ثلاثة مفاهيم كثيرًا ما تختلط في التطبيق:
Validation تسأل:
هل تدابير التحكم التي اخترناها قادرة أساسًا على تحقيق مستوى التحكم المطلوب؟
Monitoring تسأل:
هل العملية أو تدبير التحكم يعمل الآن داخل الحدود أو المعايير المحددة؟
Verification تسأل:
هل النظام يتم تطبيقه ويعمل كما تم تصميمه وتخطيطه؟
الخلط بين هذه الوظائف قد يجعل المنشأة تجمع الكثير من البيانات والسجلات دون أن تحصل فعليًا على المعلومات التي تحتاجها لتقييم فعالية نظامها.
HACCP ليس وثيقة ثابتة
هناك خطأ آخر شديد الأهمية: التعامل مع HACCP Plan وكأنها وثيقة يتم إعدادها مرة واحدة ثم تظل كما هي.
المصنع يتغير.
قد تتغير مادة خام أو مورد، أو يتم تركيب معدة جديدة، أو تعديل Flow Diagram، أو تغيير طريقة التنظيف، أو ظهور معلومات علمية جديدة عن أحد المخاطر، أو حدوث شكوى أو Incident يكشف عن خطر لم تتم السيطرة عليه بالشكل المتوقع.
وعندما تتغير العملية، يجب أن نسأل:
هل ما زال تحليل المخاطر يعكس الواقع الفعلي؟
لذلك فإن مراجعة وتحديث HACCP ليست نشاطًا توثيقيًا فقط، وإنما جزء من الحفاظ على فعالية نظام التحكم في المخاطر.
الأشخاص هم من يجعلون الخطة تعمل
يمكن تصميم HACCP Plan ممتازة فنيًا، لكنها لن تحمي المنتج إذا لم يفهم الأشخاص المسؤولون عنها أدوارهم.
مشغل يراقب CCP يجب ألا يعرف فقط ماذا يسجل، وإنما لماذا يقوم بالقياس، وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها، وكيف يتصرف فورًا عند حدوث الانحراف.
وفريق HACCP يحتاج إلى فهم العملية الفعلية، وليس فقط متطلبات المواصفة.
والإدارة يجب أن توفر الموارد والصلاحيات والوقت اللازم لتطبيق الضوابط والتحقق منها وتطويرها.
وهنا نعود إلى الفكرة التي بدأ منها هذا المقال.
HACCP جزء من صورة أكبر
HACCP واحد من أقوى المناهج الوقائية التي تعتمد عليها سلامة الغذاء الحديثة، لكنه لا يعمل منفصلًا عن البيئة التي تحيط به.
يحتاج إلى GHPs وPRPs فعالة كأساس، وإلى تحليل علمي للمخاطر، وتدابير تحكم مناسبة، ومراقبة قادرة على اكتشاف فقد السيطرة، وإجراءات عند الانحراف، وVerification وValidation، وأشخاص مؤهلين.
وعندما يعمل داخل Food Safety Management System، تضاف إلى ذلك عناصر الإدارة من مسؤوليات وموارد وتواصل وتوثيق وتقييم وتحسين.
ولهذا، سواء كانت المنشأة تعمل وفق Codex أو ISO 22000 أو FSSC 22000 أو BRCGS أو IFS، يجب ألا يتحول HACCP إلى مجرد جداول يتم إعدادها من أجل التدقيق.
السؤال الذي بدأنا به كان:
هل HACCP نظام لسلامة الغذاء أم جزء من نظام أكبر؟
والآن يمكننا وضع الإجابة بصورة أوضح:
HACCP هو منهجية أساسية للتحليل والسيطرة الوقائية على مخاطر سلامة الغذاء، لكنه يعمل ضمن منظومة أوسع من الممارسات والبرامج وعناصر الإدارة اللازمة لإنتاج غذاء آمن باستمرار.
ولذلك، ربما يكون السؤال الأفضل الذي يمكن أن تطرحه على نظام سلامة الغذاء في منشأتك ليس:
«هل لدينا HACCP Plan؟»
بل:
اترك تعليقًا